Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

"1960 - 2010، خمسون سنة من اللامركزية بالمغرب : نحو جهوية موسعة"

منذ بداية الاستقلال كانت إرادة في الخطاب السياسي من أجل نظام ترابي لا مركزي تطبعه الديمقراطية والتمثيلية السياسية من جهة، والبحث عن تحقيق النمو والمصلحة العامة من جهة أخرى.

فقد جاء في خطاب المغفور له محمد الخامس بمناسبة صدور الظهير الشريف المتعلق بنظام الجماعات بتاريخ 27 يونيو 1960 ما يلي:

«...فبعد نجاح عملية الانتخاب التي أقبل عليها شعبنا إقبال دل على رشده ووعيه وتقديره للواجب، ها نحن وضعنا طابعنا الشريف على ظهير النظام البلدي والقروي الذي عملنا عملا متواصلا لتهئيته وإصداره، ذلك النظام الذي سيصبح قاعدة للحياة البلدية في مملكتنا ويتدرب به شعبنا على تطبيق الديمقراطية ويشترك بواسطة ممثليه إشراكا فعليا في تسيير الشؤون المحلية...

... وليجعلوا من المجالس البلدية والقروية أداة للبحث عن المصلحة وجلب النفع ومنبرا للتشاور وتبادل الرأي ووسيلة لتوثيق عرى الأخوة القومية والتضامن الوطني».

رغم مرور أربع سنوات على كتابته، يبقى هذا التقرير، في نظري، محافظا على راهنيته وأنشره تعميما للفائدة. وأتمنى أن يكون فاتحة نقاش و تبادل اراء

يوم دراسي نظمته المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية بشراكة مع المدرسة الوطنية للإدارة سنة 2010، تحت موضوع :

"1960 - 2010، خمسون سنة من اللامركزية بالمغرب : نحو جهوية موسعة"

تقرير ختامي لهذا اليوم الدراسي أعده :

د. المصطفى دليـل

شكلت اللامركزية بالمغرب خيارا استراتيجيا منذ بداية العمل بالتنظيم اللامركز بشقيه اللامركزي واللاتركيزي، في مسعى من الدولة إلى تقريب الإدارة من المواطن وإلى العمل على اختيار ممثلي السكان بالجماعات المحلية عن طريق الانتخاب. ومن البديهي التذكير أيضا بأنه في غياب هذه البنيات الترابية المتوفرة بحكم القانون على الشخصية المعنوية و على الاستقلال المالي، لا يستقيم الحديث عن اللامركزية أو عن الديمقراطية المحلية. ومن غير امتلاك هذه المؤسسات التمثيلية لوسائل العمل الضرورية من اختصاصات وإمكانات مادية وبشرية، تنتفي عنها بلا شك شروط ممارسة الديمقراطية ويعطل دور الناخب والمنتخب في تدبير الشأن المحلي.

‏في هذا السياق، تطورت الجماعات المحلية ووطدت تدريجيا مقوماتها الإدارية بشكل أهلها لمواكبة انتظارات المواطن المتزايدة والمتنوعة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتدبيرية وغيرها، وأعيد النظر بحذر أكثر من مرة في تقعيد اللامركزية، تماشيا مع الإرادة السياسية المتجددة والمتحمسة أكثر فأكثر لحضور الفاعلين المحليين في المجال التنموي.

‏فما مسار اللامركزية بالمغرب على امتداد خمسين سنة، ابتداء من سنة 1960 إلى غاية سنة 2010، في أفق جهوية في طور التوسع من حيث المهام والاختصاصات ؟

ا ـ الإصلاح التنظيمي والمؤسساتي للجماعات الحضرية والقروية :

في ظل الميثاق الجماعي المنظم بظهير 23 يونيو 1960، لم يكن للمجلس الجماعي سوى سلطة تداولية جد محدودة وسوى دور إداري لا يتسع لطلبات المواطن اليومية، وكان رجل السلطة هو المحرك الأساسي في التسيير وأهم حلقة محلية بإشرافه على الإدارة الجماعية بكامل أجهزتها وعلى تنفيذ القرارات إلى غير ذلك من المسؤوليات. ولعل هذه الثنائية التي ميزت الجهاز التنفيذي الجماعي آنذاك، على الرغم من مبررات الفعالية والحيطة التي قدمت في شأن هذا التوجه، أدت إلى خلط في أدوار السلطتين، اللامركزية وغير الممركزة وأنشأت بالتالي نظاما محليا هجينا. وعلى علات هذه الوضعية المؤسساتية المستحدثة، يعد هذا الميثاق تأسيسا للامركزية بالمغرب لكونه أتى في سياق الحريات العامة بإقراره التعددية السياسية على الصعيد المحلي وبنقله المغرب من مرحلة إلى أخرى ضمن المسلسل التدريجي لدمقرطة الحياة المحلية، مما جعل من الجماعات المحلية بكل تأكيد النواة الأولى للديمقراطية. خاصة إذا ما علمنا أن هذا الميثاق الجماعي صدر وبدأ العمل بمقتضياته قبل إخراج أول دستور للمملكة بعد الاستقلال إلى حيز الوجود سنة 1962.

وفي ظل ظهير 30 شتنبر 1976 الذي وقع تعديله بقانوني 2002 و2009، أصبح رئيس المجلس الجماعي يتوفر‏ على صلاحيات واسعة همت التنظيم والشرطة الإدارية والإدارة المحلية باحتلاله أعلى التراتبية الإدارية وتعددت كذلك مسؤوليات المجلس الجماعي لتشمل كل ميادين التنمية ولتجعل منه فاعلا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لكن من غير مساس بأسس الدولة المركزية. وفي نفس المنحى، يلمس الوجه المتقدم للامركزية المتدرجة بإخراج هذين القانونين إلى حيز الوجود عبر إنتاج مفاهيم معيارية جديدة، حين تم الربط بين التدبير الجماعي والمفهوم الجديد للسلطة الذي أتاح انفتاحا ملموسا تجاه المواطن وحين تم اعتماد وصاية القرب لمواكبة وتأطير الجماعات المحلية. لكن الملاحظ ، هو عدم تمكن هذه الوحدات الترابية من ممارسة اختصاصاتها كاملة لأسباب تعود بالأساس إلى المسلكيات السياسية المتشنجة للنخبة المحلية التي لم تترفع عن خلفياتها السياسوية والتي لم ينخرط جزء كبير منها في مسلسل تهذيب الحياة السياسية المحلية. إضافة إلى هذه المثبطات، تنعدم لدى أكثرية المنتخبين المحليين المؤهلات الفكرية والتدبيرية الضرورية للتنمية وللاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية للمواطن.

ولا تغيب عن أذهاننا مسألة الحكامة المحلية التي جاء بها الإصلاح الجماعي لسنة 2009 ، حيث نقف على مجموعة متنوعة من المستجدات تشمل مجالات الأجهزة المنتخبة فيما يتعلق بالتعديلات التي همت طريقة انتخاب المجلس والوضع رهن الإشارة وضبط عملية تفويض المهام وهيكلة اللجان، والإدارة الجماعية فيما يخص الموظفين والهيكل التنظيمي وتدقيق صلاحية الكاتب العام، وتدبير المدن خصوصا مسألة وحدة المدينة وندوة رؤساء مجالس المقاطعات، والتنمية المحلية في علاقتها بالمخطط الجماعي للتنمية ومنهجه التشاركي، وتدبير المرافق العامة في مراعاة لمعيار الجودة، وتحسين العلاقة بين الجماعة المحلية والمواطن من خلال الحق في المشاركة وإحداث لجنة المساواة وتكافؤ الفرص، ومسألة المنازعات الجماعية عبر المساعدة القضائية للجماعات المحلية.

‏ولضمان توازن أكثر بين الجماعات المحلية الحضرية وتحقيق تكاملها التنموي، ارتأى المشرع وضع نظام المجموعات الحضرية قبل سن نظام وحدة المدينة المحدثة بمقتضى قانون 3 ‏أكتوبر 2002 ‏والذي ارتكز على المقاطعات بالنسبة لبعض الجماعات الحضرية ذات الكثافة السكانية المهمة. ولضمان تنسيق فعال بين المنتخبين المحليين داخل مجال ترابي محدد، أحدث المشرع لدى رئيس المجلس الجماعي جهازا يدعى ”ندوة رؤساء المقاطعات“ يتألف من رؤساء المقاطعات يعملون للحيلولة دون الدخول في نزاعات تدبيرية.

وبهدف تمكين الإدارة المحلية من عوامل التوازن الدمناميكي ومن الجمع بين عناصر الاستمرارية وعناصر التغيير، تم تثبيت بنيات جماعية أريد لها ان تكون في مستوى المسؤوليات الننموية الجديدة للجماعات الحضرية والقروية، عززت بمرسوم 27 ‏شنبر 1977 الخاص بالموظفين والأعوان الجماعيين، الذي وضع رهن تلك الجماعات أعوانا مستقلين عن السلطة المحلية ويعملون تحت إمرة رئيس المجلس. لكن الملاحظ هو أن المنظومة القانونية للموظفين تبقى هشة وخاصة بالجماعات القروية وقاصرة أيضا نظرا لغياب نظرة استشرافية تجاههم.

وفي الجانب المالي المحلي، فإن التحويلات المالية نحو الجماعات المحلية وخاصة مستحقات الضريبة على القيمة المضافة تبقى مهمة نظرا لاعتماد الجماعات على تلك التحويلات في تنميتها ونظرا لأهميتها في التخفيف من الفوارق بينها، في الوقت الذي تعتبر فيه مديرية المالية المحلية نفسها رافدا للجماعات المحلية في هذا المجال وليست وصية عليها وذلك بغية تحقيق الفعالية والنجاعة في التدبير المالي المحلي. وأيضا، كون أغلب الصلاحيات ذات الطبيعة المالية تمارس على صعيد العمالات والأقاليم ولم يبق للإدارة المركزية سوى الصلاحيات ذات الطابع الإستراتيجي وكون مراقبة مديرية المالية هي في الأساس مراقبة قبلية أو مراقبة مشروعية وليست مراقبة ملاءمة. إضافة إلى المساطر المستحدثة التي تتغيا تسهيل إعداد ميزانيات الجماعات المحلية والخروج من المآزق التي تعترض الموافقة عليها داخل المجالس. وكان التدرج في التعامل مع الجماعات المحلية في هذا الميدان منهجية اتبعتها السلطات المركزية، الشيء الذي ترتب عنه بالأساس سريان مفعول شمولية الاعتمادات بدل مبدإ التخصيص. وفي مقابل توسع الاختصاصات المالية لرئيس المجلس الجماعي، وتجنبا للانزلاقات المحتملة المؤثرة سلبا على مالية الجماعة، يمكن لهذا المسؤول أن يلجأ الى الافتحاص للتاكد من سلامة تسييره المالي، دون نسيان دور مصالح المراقبة القبلية والبعدية بما فيها المجالس الجهوية للحسابات، بطبيعة الحال.

وعلاقة بالتعاون الجماعي وبفعاليته ودوره في تنمية الجماعات المحلية، فإن "النقابة الجماعية" التي اعتبرت أول صيغة تعاونية بين الجماعات والتي بدلت بتسمية "مجموعة التعاون" أو "لجنة التعاون"، فإنها فشلت نظرا لغموض الجوانب القانونية المتعلقة بإحداثها وفي الطابع الاختياري لتكوينها وبجهل المنتخبين بأهميتها. وتجدر الإشارة في هذا الصدد كذلك إلى وضع المشرع صيغا أخرى كالتعاون والشراكة ومجموعة المجموعات ومجموعة التجمعات الحضرية حيث يمكن إبرام اتفاقيات للتعاون من أجل إنجاز مشروع أو نشاط ذي ‌فائدة مشتركة فيما بين أو مع جماعات محلية أخرى أو مع الإدارات العمومية أو المؤسسات العامة أو الهيئات غير الحكومية ذات المنفعة العامة.

اا ـ الإرتقاء بالجهة إلى جماعة محلية، في أفق جهوية موسعة :

علاقة بارتقاء الجهة إلى جماعة محلية، ‏جاء هذا التحول رغبة من المشرع في السمو بها من التصور السابق إلى مرتبة التمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي، ‏وفق مقضيات دستور 1992 ‏المراجع سنة 1996. فقبل هذا التكريس لم تكن الجهة أو المنطقة سوى إطار اقتصادي تنسيقي ‏، لكن قصور هذه الصيغة في تلبية متطلبات التنمية، عجل في تبني الصيغة الجديدة التي تعتبر الجهة لا مجرد إطار اقتصادى تنسيقي فقط بل أيضا فضاء جديدا للتداول وللتشاور وللتكوين ولترسيخ الديمراطية المحلية وللعمل على دعم اللامركزية. ‏وعلى الرغم من هذا الاعتبار الذي حضيت به الجهة على مستوى الوظائف والاختصاصات، فان السلطة التنفيذية لهذه المؤسسة المنتخبة وعلى غرار العمالات والأقاليم هي سلطة ثنائية. إذ تمحورت الاختصاصات المخولة لوالي الجهة حول عدة مهام تجمل في تنفيذ قرارات المجلس الجهوي بما فيها تنفيذ الميزانية ووضع الحساب الإداري والتمثيل المدني والتمثيل أمام القضاء للجهة، وكذا في مراقبة الأجهزة الجهوية. و مما لا شك فيه أن نوعية هذه المهام تجعل المضطلع بها أي العامل أو الوالي عامل مركز الجهة متحكما في تسيير دواليب الجهة، لكن مشاركته هاته من شأنها مد المستشارين الجهويين بالمعلومات الضرورية لاتخاذ قراراتهم. إجمالا، تعيش سياسة اللاتمركز الإداري حالة عدم انسجام بين اللامركزية وعدم التركيز وتعرف تذبذبا في تبني تصور يتيح هذا الانسجام. عموما، لا مركزية فاعلة دون لاتمركز إداري,

فأي لاتمركز إداري ينبغي أن يوظف في خدمة الجهوية الموسعة المنتظرة ؟ وماهي الملامح الكبرى للاتمركز الإداري المواكب للجهوية الموسعة ؟ بكل تأكيد، ينبغي وضع جميع الطاقات التي يختزنها نظام عدم المركز الإداري في خدمة الجهوية المتقدمة. فإذا كانت النصوص الحالية الخاصة باللاتمركز الإداري لايستجيب بما فيه الكفاية لتطلعات الجهة الموسعة، فإنه من اللازم التعامل مع المصالح غير التركيزية الجهوية كمثيلاتها المركزية من حيث الاختصاصات بتقويتها وبتقوية اختصاصات العامل أو الوالي عامل مركز الجهة. وموازاة مع هذا النهج غير التركيزي، يتوجب اعتماد لامركزية تفرق بين ما هو وطني وما هو محلي، لامركزية توضح الحدود الفاصلة بين الجماعات المحلية في هذا المضمار، وتزيل الغموض الذي يؤدي إلى خلق "مناطق رمادية" كنتيجة حتمية للتدخلات المشتركة لعدة مسويات ترابية في حقل واحد، وتستند في توزيع الاختصاصات بين الجماعات المحلية على مبدأ التفريعLa subsidiarité الذي يهدف إلى تفويض الاختصاصات إلى المستويات الترابية القادرة على ممارستها، ‏بحيث يقود في النهاية إلى منح المستوى الترابي الأقرب من السكان مسؤوليات خاصة به ولا تسمح بتدخل المستوى الأعلى إلا في حالة عجز المستوى الأدنى وهذا ما يثير بالطبع إشكالية كتلة الاختصاصات Bloc de compétences.

وينبغي في هذا الإطار التصدي بطريقة ناجعة لمعيقات ممارسة اللامزكزية بالمغرب، على المستوى الجهوي، حيث يلاحظ البطء في اعتماد سياسة القرب الفعالة اتجاه المواطنين كنتيجة منطقية للبطء في تطبيق اللامركزية واللاتركيز. ففي ظل استمرار التوجه الممركز الذي أدى إلى غياب سياسة لاتمركز حقيقية وأدام وطأة الوصاية على الجماعات المحلية، ساد الانطباع السلبي تجاه التوجه اللامركزي المتبع ليس فقط لدى المنتخبين المحليين، وإنما أيضا لدى المسؤولين أنفسهم بذكرهم أن تدبير الشؤون المحلية على أساس اللامركزية يبقى ناقصا إذا ما بقيت العاصمة مركزا وحيدا للقرارات الإدارية. وفي سياق تنمية الجهة، تناقش مسالة الجهة المتقدمة من خلال بعض الضوابط والأسس كاعتبار الوحدة دعامة للتنمية الجهوية في إطار التدرج والأصالة. ومما لاشك فيه أن هذا النمط من التصور الجهوي يقتضي دعم هذه الحلقة الترابية بسلطة تنفيذية غير منقوصة وبتخفيف المراقبة عليها ومراعاة الخصوصيات التي ترتكز عليها وكذلك الشأن فيما يخص التخطيط التشاوري الذي يعكس روح الجهوية، واتخاذ القرار الجهوي الذي يبقى حاليا مجزءا ومشتتا بين الإدارات المركزية وغير الممركزة والغرف المهنية ولعل ما يعمق من هذا التجزيء والتشتت، غياب المرجعيات والمخططات القمينة بإكساب العمل التنموي الجهوي انسجاما وفاعلية.

11 ابريل 2015

تحية للدكتور مصطفى دليل وشكرا على نشر هذا التقرير

Tag(s) : #politique

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :